الكاتبة المغربية بديعة الراضي تكتب : الطريق الى ازمور

غير مصنف
30 أكتوبر 2014wait... مشاهدة
الكاتبة المغربية بديعة الراضي تكتب : الطريق الى ازمور
رابط مختصر

الرباط  – العرب الاقتصادية – بديعة الراضي  –

بعدما ظلت نظرات ساكنة ولاد غانم إقليم سيدي بنور لا تغادر مخيلتي من كثرة القهر الممارس على هذا الهامش من بلادي، والذي دونته في مقال سابق في زاويتي الأسبوعية” كانت الطريق إلى ولاد رحمون وتحديدا إلى دوار “الدخلة ” بإقليم أزمور تعصر أمعائي وترفع سؤال القلق على الهامش في بلادي – وأنا المعتقدة أن الذهاب إلى ضيعة في قلب هذا الدوار لحضور أمسية فنية تكريما للفنان المبدع عفيف بناني والتي نظمها المنتدى الجهوي للثقافة والتنمية تحت شعار ” مبدعون بين الريشة والقلم” بدعوة من الصديق نبيل فهمي ستنسيني سؤال السياسة والمجتمع لأرفع سؤال الثقافة والفن- وهو السؤال الذي رسم بلغة الصمت في عيون هؤلاء الأطفال والشيوخ والنساء الجالسين على قارعة الطريق الضيق جدا و الموشوم بالحفر الكبيرة حد تخيل الكارثة إذ ما هبت عاصفة متوسطة جدا -لا قدرالله- على هذه المنطقة المنسية من بلادي، فلا الطريق ترحمهم ولا المدارس مبنية في فضائهم ولا المستوصف الصغير جدا والمتآكلة جداره يستطيع أن يلبي الحد الأدنى من مطالبهم، دوار يسوده العطش وهو المحاط بماء وادي أم الربيع، في مفارقة عجيبة تكشف أن فاعلا لا يريد الالتفات الى كل هذا التهميش. تساءلت من المسؤول عن كل هذا الهراء الذي يخدش حياءنا ونحن نتحدث من بوابة حكومتنا عن مغرب مختلف في التنمية والاقتصاد أما السياسة فحدث ولا حرج.
سبع كيلومترات فقط -إلى مزرعة السيد نور الدين الوجاني رئيس جمعية رسالة ولاد رحمون حيث كان اللقاء الفني والثقافي الذي حضره كبار الفنانين والمثقفين في جو عائلي تميز ببساطته وأهدافه الكبرى- كانت كافية لرسم الثقب الكبير في مفهوم التنمية في بلادي، عندما ينكسر المفهوم على صخرة الحقيقة، التي تجر ساكنة دوار الدخلة من بيوتهم نحو “السقاية” المحاذية للطريق الضيقة الممزوج بالتراب الأحمر الهش الذي كاد أن يجر ركبنا إلى هاوية الواد المفتقدة لشروط السلامة، تلك المتوفرة فقط في حواشي بيوت معدودة على الأصابع مطلة على أم الربيع، ولغتها تقول أن أصحابها يمرون أسبوعيا طلبا لإطلالة على الوادي الذي يئن تحصرا على تاريخ منطقة محزمة اليوم بالفقر والتهميش الممنهج، والتي كان من المفروض اليوم أن تكون واجهة سياحية وثقافية بامتياز، تلك التي قال عنها المؤرخ” إن أزمور، وبصفة خاصة منذ أوائل العصر المرابطي قد صارت تنافس من الناحية العلمية والدينية، أكبر المدن المغربية آنذاك، مثل فاس ومراكش، بل زاحمتهما بقوة، بفعل نشاط رباطاتها وزواياها ومدارسها المنتشرة في البوادي والقرى الزمورية الكثيرة. و أن تأثيرها وإشعاعها الثقافي لم يعد منحصرا في منطقة دكالة، أو في حدود البلاد المغربية فقط، وإنما تجاوز كل ذلك، لتصل شهرتها إلى خارج حدود المغرب، سواء في المشرق العربي أو في بلاد السودان وأفريقيا وذلك بفعل أخبار شيوخها وانتشار كراماتهم ومناقبهم، وبصفة خاصة تلك التي تتعلق بشيخ أزمور و دفينها أبي شعيب أيوب السارية وبآل أمغار بتيط نفطر المجاورة ” ناهيك عن قول الإستراتيجيين في السياحة و الاقتصاد الذين يعتبرون المنطقة موقعا الاستراتيجيا وقبلة للاستثمارات الكبرى التي غابت في الزمن الحكومي الحالي بامتياز كبير.
والحقيقة ان هذه القبلة لم تكن- وأنا أستمع الى أهل دوار الدخلة في الساقية المحاذية- إلا قبلة لمزيد من التهميش الفعلي الذي دفع الساكنة” الصابرة إلى التشمير عن سواعدها حاملة عطشها وأغراضها إلى حيث الماء القليل المنصب من “السقاية” من أجل تلميع وجه الزمن القبيح بإزالة الأوساخ من ملابس أطفالها هؤلاء اللذين هجروا المدارس من ضغط البعد وغياب الطريق الآمن إلى المدارس غير المتواجدة في تراب الدوار.
لا تختلف معانة دوار “المجذبة” بولاد حمدان عن دوار “الدخلة” بولاد رحمون لكن المجدبة رفعت درجة يقظتها في الالتفاف حول من سيبحث معها عن الحلول الممكنة في غياب واضح لمعالجة بنية معقدة في منطقة بكاملها.
هي “المجذبة” إذا عنصر داخل بنية، تجمعت ساكنته في خيمة يعي فيها الفقيه دوره الروحي غير الموظف للدين في السياسة، كما يعي فيها السياسي دور المجتمع المدني في النهوض بالمنطقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، دوار قالت ساكنته كلنا معنيون في رفع الضيم عن منطقتنا بخرائط الطريق الفعلية التي ولدت جمعية ” لمة ولاد حمدان” وهي الساكنة التي قررت التفكير بصوت عال أن الفعل الحزبي لا يلغي الفعل المدني وأن التكامل بينهما هو الطريق المعبد للتغيير باليد في اليد مع شرفاء الوطن في منطقة لا يحتاج سكانها إلى تلقينهم أصول الدين الإسلامي بل هم محتاجون إلى من يرسم على وجوههم الابتسامة بتعليم أبنائهم وتسهيل تنقلهم، والحرص على تقريب الصحة من عائلاتهم وغرس الشجر، ومد الماء إلى دوارهم بكل ذلك المخطط الأخضر الذي رسم الأمل في عقولهم أنهم غدا سيكونون في قلب الحلم بالممارسة الفعلية وإنزال المشاريع على أرض الواقع.
هي الطريق إذا إلى أزمور، المنطقة التي تتوسد الضفة الغربية من نهر أم الربيع. و التي كانت تضم العديد من أشجار الزيتون قبل أن يأتي عليها الإنسان في طريقه إلى الاستقرار ٬وإقامة العمران – حسب المؤرخين-٬و تعاقبت عليها العديد من الشعوب و الأمم و الأمراء و القياد و العساكر،ابتداء من موسى بن نصير، وبعد تقسيم المملكة الادريسية ٬ استقر بها المرابطون وهي الحقبة التي ظهر فيها الولي الصالح مولاي بوشعيب الملقب بالسارية.
وبالإضافة إلى بوشعيب الرداد، نجد سيدي علي، و سيدي يحيا، و سيدي بنور، و سيدي المكي الشرقاوي، وسيدي و عدود، وسيدي المخفي، وسيدي قاسم، و للاعائشة البحرية و للا يطو٬ كما تجمع المنطقة المنسية اليوم من خارطة الطريق الاقتصادية، مجموعة من الزوايا الدينية ٬ أهمها الزاوية الدرقاوية والجزولية و القادرية و العيساوية. ورغم أنها تتميز بالصناعة التقليدية وفن الملحون فإن هذه المنطقة ككل، في زمن نتحدث فيه عن جهوية موسعة وبقانون جديد تحتاج إلى إستراتيجية تنموية مدروسة،لتراب يحمل تاريخا عميقا ودالا في ذاكرة المغاربة ككل. اللهم اشهد إني قد بلغت.

عذراً التعليقات مغلقة