المصطلحات السياسية واختلاف الرؤى

كتاب العرب TV
1 نوفمبر 2013wait... مشاهدة
المصطلحات السياسية واختلاف الرؤى
رابط مختصر

شاعت في الآونة الأخيرة ظاهرة استخدام مجموعة من المصطلحات السياسية والاقتصادية وتعريفها ، بصورة تتصل بأهواء وأيديولوجيات المستخدم ، بما يبعد المصطلح عن حقيقته بل ويصل فهم البعض لهذه المصطلحات إلى صورة مناقضة أحياناً لما يعنيه المصطلح ، ولعل أكثر هذه المصطلحات السياسية تعرضا للتشويه والمبالغة سلبا وإيجابا في الجدل السياسي على الساحة هما مصطلحا اليسار والعلمانية ، فقد أشبعهما التيار الإسلامي سبا ولعنا وتكفيرا وتشويها وهجوما دون أدنى فهم لمدلولهما إلى جانب مصطلحات الليبرالية ، والاشتراكية التي نالت رفضا أقل عنفا من تيار الإسلام السياسي ، مع أن هذا التيار لو تأمل الإسلام بعمق وتمعن لوجد صدى واضحا لكل منها في مبادئ الشريعة الإسلامية ولوجد أن هذا الدين العظيم الشامل لكل ما يسعد الإنسان وييسر حياته قد تحدث عن تطبيقات لهذه المصطلحات المعاصرة قبل أن يعرفها الغرب بزمن طويل فاليسار بمعنى محاولة تغيير الواقع إلى رؤية أكثر تطوراً ، هو مبدأ إسلامي أساسي لأنه أصل في تطور الحضارة الإنسانية وتقدمها وتغيرها تبعا لمتطلبات كل عصر ولو توقف التطور البشري عند عصر معين لانتهت الحضارة الإنسانية كلها وظلت تعيش التخلف والجمود فاليسار رفض لما هو كائن والتطلع إلى ما ينبغي أن يكون ، فإذا كان هذا هو مقصود اليساريين من تبنى هذه الرؤية ، فأين الاصطدام بالدين هنا ، لأن ما ينبغي أن يكون في نظر اليسار من الناحية الاقتصادية هو العدل في توزيع الثروة على كل مواطن بقدر جهده وعمله وإنجازه إلى جانب رعاية غير القادرين والضعفاء من خلال تكافل مجتمعي وهو عين ما يأمر به الإسلام ، ويرتبط الفكر اليساري سياسيا بالاشتراكية اقتصاديا وظهرت الكثير من الرؤى اليسارية لتطبيق العدالة الاجتماعية من أقصى الرؤى اليسارية في شيوعية أفلاطون ومدنية الفارابي الفاضلة ونظرية ماركس الجدلية إلى اشتراكية أحزاب اليسار الأوربية كحزب العمال البريطاني والاشتراكي الألماني والفرنسي والنمساوي وغيرها من دول العالم ، فليس اليسار كفكرة معاديا للإسلام ومعظم تطبيقاته الفكرية والاقتصادية لا تتعارض معه.
أما العلمانية فهي مصطلح ظهر في أوربا في عصر النهضة Renesance لمعارضة سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على كل مظاهر الحياة وفرضها رؤية دينية منغلقة على كل أتباعها واعتبار البابا ظلا لله على الأرض أوامره وحي منزل وغضبه من غضب الله ورضاه من رضى الله يَحرِم من يشاء من غفران السماء يعطي صكوك الغفران لمن يرضى عنه ويصدر قرارات الحرمان لمن يغضب عليه ، وبدأت معارضة هذا الطغيان بثورة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر وزملاؤه من البروستانت والتي سلبت السلطة الإلهية من الباباوات والحق الإلهي في الحكم من الملوك فظهرت نتيجة لذلك الدولة المدنية الليبرالية الحديثة في أوروبا ، ثم امتدت إلى معظم دول العالم المعاصر ، وقد تلطخ مصطلح العلمانية بالعداوة للأديان من خلال هجوم البابوية والكنيسة الكاثوليكية العنيف عليه خاصة حين أصدرت الدولة الحديثة مجموعة القوانين المدنية في الأحوال الشخصية والحياة العامة ومكافحة الجرائم الحديثة وحقوق الإنسان والحريات العامة مما يتعارض مع الرؤى اللاهوتية للكنيسة. فالعلمانية لا علاقة لها بعداوة الإسلام تحديداً أو تهميشه ، ولعل ما حدث في تركيا الكمالية ” كمال أتاتورك ” هو الذي شوه صورة العلمانية لدى المسلمين دون أن يتأملوا التجربة الأتاتوركية من خلال ظروف التحلل الكامل الذي وصلت إليه الدولة العثمانية وقتها ومحاولة تركيا اللحاق بركب الحضارة الأوربية بأسرع وقت ممكن ولكن الحقيقة أن الإسلام ليس فيه كهنوت ولا رجال دين ولا متحدثون باسم الله ، ولا مانحون للغفران أو جالبون للنقمة فليس للإنسان المسلم إلا ما سعى وعلاقته بربه مباشرة دون وسيط من كاهن أو قس فالعلمانية إذن بمعنى محو تسلط بشر على بشر باسم الدين أو بقرار من السماء وعدم فرض رؤية دينية محدودة على أفراد المجتمع الذين يمنحهم الإسلام حرية الاعتقاد والإيمان والعبادة كما تهديهم ضمائرهم وعقائدهم ، ليس بحاجة إلى العلمانية وإن كانت الليبرالية وهي احترام حرية الإنسان الفرد طالما لا تنتقص من حرية إنسان آخر تتسق بهذه الرؤية مع القيم الإسلامية الحقيقية دون تعارض مخل بالعقيدة.
إن استخدام هذه المصطلحات دون إلمام كاف بتاريخها وتعريفاتها وتطبيقاتها ليس إهانة للعقل فحسب وإنما إهانة للعقيدة أيضاً ورؤية متخلفة لا تصل إلى مدى قوة وعظمة الفكر الإسلامي ونصوع وعمق عقيدته وصدق منطقه وقدرته على الإقناع ومدى اتساعه للفكر الإنساني عبر العصور ، ومن يتعمق فهم جوهر ديننا السامي يعرف جيدا أنه يتسع لكافة هذه الأفكار والتطبيقات المعاصرة داخل إطاره العقائدي والعبادي والقيمي والسلوكي والاجتماعي والاقتصادي ، ولا يتعارض معها وإن وجدت بعض مساحات يراها البعض تعارضا مع الدين فلا يمكن أن تصل بها عقلا ولا منطقا إلى درجة التكفير.

– هيام محي الدين – كاتبة و صحافية مصرية – 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.