الناقد المغربي محمد مجاهد يكتب : اﻹنتاج التلفزي من الزائد إلى الناقص – المسلسل الدرامي – عين الحق نموذجا …

24 ساعةالمغربسلايدر 2مشاهير
21 أغسطس 2019wait... مشاهدة
الناقد المغربي محمد مجاهد يكتب : اﻹنتاج التلفزي من الزائد إلى الناقص – المسلسل الدرامي –  عين الحق نموذجا …
رابط مختصر

العرب تيفي – الرباط – منذ مدة لم تلفت تلفزتنا الوطنية انتباهنا للاشتغال على مادتها ،التي كانت دائما تترك بيننا صدى لا يرقى إلى مستوى أخذه بعين الاعتبار ،أو الجلوس لتناوله كمادة صالحة للمناقشة على مائدة النقد و منصات الملتقيات الفنية ،اما اليوم فقد شدت انتباهنا بمجموعة من اﻷعمال التي راقت الجمهور كما راقت المهتمين من نقاد و باحثين ، و كان من بين هاته اﻷعمال المسلسل درامي : عين الحق .
عاد بنا هذا العمل إلى الرغبة في تناوله و تشريحه على أكثر من مائدة ،و الغوص في عينه ﻷعمق نقطة ،ليس ذلك إطراءا للمخرج الذي أطل علينا من شمال المغرب ،و هو المخرج المجتهد الذي انطلق من اول هدف و تدرج عبر مراحل فنية تلفزية سينمائية رغبة منه في الوصول باﻷجود فاﻷجود ،و رافضا أحيانا دعما لعدم تناسبه وقوة عمله ،إيمانا منه بالانتظار إلى حين خلق الجو المناسب ماديا و معنويا . عبد السلام الكلاعي الذي جاء على لسانه انه تعرض خلال حياته بعدد من الانتقاصات من طرف مجموعة من القيمين الاداريين و الفنيين ، وهو لازال يتذكرها و يذكرها مبتسما ضاحكا ،تحقيقا للانتصار و إخفاقا لرؤى هؤلاء ،الذين كانوا لازالوا لم يفهموا أن اﻹعاقة هي اجتهاد ،هي تحفيز، هي دعم على العطاء وهي في كلها قدرات خاصة .
إن تناول عين الحق بالنقاش هو فعلا رغبة اشتعل فتيلها من قوة العمل ،انطلاقا من نصه اﻷدبي إلى لمسات إبداع إخراجه الفني ،حيث أول ما يطالعنا :العنوان الذي منه تتعدد الرؤى و اﻷبعاد بتعدد المضامين المختفية وراء لفظيه ،إذ لابد من قوة خاصة في تحليله تحليلا ممنهجا سليما يسمو إلى نفس درجة العمل .
عين الحق: ذلك الحقيقة الخفية التي نسجت لنا أحداث المسلسل ،و جعلتنا نبحث عن العين/اﻷصل و منبع الكينونة ،من أين سنلج عالم الحق الذي هو فعلا حقيقة الحياة اﻹنسانية ؟ هل عين الحق تتجلى من خلال ما يرمي إليه رئيس المنظومة اﻹدارية للحياة بالمدينة/المجتمع ؟ او من خلال الطبيب الغيور على مجتمعه و الباحث العلمي في حقيقة حياته ؟أو من خلال تناقضات مختلف شرائح المجتمع؟ التي تتوزع عبر منحاز للكفة الغالبة و آخر منحاز إلى ما تم تسليط الضوء عليه ولو كان إشاعة خاطئة او منحاز إلى رغبة شخصية مختلفة ؟ .
هكذا تتعدد مضامين فهم المسلسل من خلال عنوانه قبل ولوج تشابك أحداثه ،وهاته قوة تتميز بها اﻷعمال الناجحة قبل غيرها .عين الحق :هناك من الناس من يفهم أن الامر يتعلق بحقيقة عين ماء طبيعية و هناك من يرى ان اﻷمر غير ذلك تماما ، و يذهب به بعيدا في سبك أغوار الحياة العامة للناس ،انطلاقا من البحث المستمر عن الحق و الحقيقة التي تشكل لنا دائما إشكالية الحياة اﻹنسانية .أين يمكننا أن نلمس حقيقة الحق؟ لاشك ان اﻷمر يتعلق هنا بمادة فلسفية صرفة ، تشكل عبءا أدبيا فلسفيا سما بالعمل إلى درجة من الرقي .
الحق و الحقيقة : تلك الحلقة المفقودة بأحداث المسلسل ،الحقيقة وراء ماء عين طبيعية نسجت بين طياتها أحداثا متشابكة تشابك أحداث الحياة في علاقتها الملحة بالماء و المدينة و القفة /العيش و المرض و الدواء و الخوف… كل هاته مقومات حقيقية للحياة اﻹنسانية ،لكن لابد ان نطرح اﻹشكال : أين يمكننا ان نعثر على سلامة العيش ؟و كيف يمكننا تأجيل مصير الموت إلى أجله الحقيقي وألا نعجل به بالخطإ الشخصي؟ إننا نستجوب أنفسنا من خلال المسلسل ليتبين أن اﻷمر كبير جدا عن كل فهم ،و بحذر وفير نحاول استنباط مفاهيم اﻷحداث و اﻷفكار من داخل فحواها الحقيقي و عكسها على مرآة العين : عين الحق. إننا بكل بساطة نبحث عن الحق و الحقيقة.
انطلق المخرج من قراءته للسيناريو قراءة متأنية -وإن كان هو من أشرف على كتابته – أهلته للتعامل معه بكل ثقة و أمانة ،و بالرغم من كوني لست مع الكتابة الجماعية و أعتبرها فاشلة في كثير حالاتها ،لكنني هاته المرة أقر بأن خلية الكتابة كانت متفوقة في حياكة أحداث الرواية التلفزية ، و عرفت كيف تتعامل مع تطور الفكرة معتمدة في طياتها على المقولة : إياك أعني واسمعي يا جارة . يمكننا أن نقول بان خلية الكتابة جعلت برنامجا خاصا هيكلت به طريقة كتابتها الورقية، و إلا لا يمكن لعمل أن ينجح انطلاقا من كتابة جماعية متشتتة .
تسلسلت اﻷحداث و جرت جريان ماء العين ، الكل في الكتابة كان متماسكا وله ارتباط باﻹطار داخل كل مشهد ،مناسبة الحوار للمكان شيء جميل تميزت به الرواية في كلها ،بحيث استطاعت الخلية ان تفرق بين الحوار على مائدة الطعام و الحوار داخل غرفة النوم و الحوار الذي قد نحتاج له فضاءا معينا : سيارة، شارع، مكتب…و المثير خلو الحوار من الزائد فيه و اعتماده الحوار المقتضب الهادف الذي يناسب الحالة الظرفية للحدث . كان الموضوع سلسا انسيابيا بطريقة تخلق تشويقا يبدو على كل متلق . هاته من سمات العمل الناجح الذي يتفوق في التفاعل مع الجمهور رافضا السقوط في متاهة التكرار و اﻹطناب الذي يخلق الملل . إن العمل التلفزي الناجح شانه في ذلك شان العمل السينمائي لابد ان يحضر فيه المؤلف باسمه و شخصه وقوة قلمه ،و لعل ما نشاهده من برمجة عمل الكتابة على شكل خليات و أطقم خاصة على مستوى السلسلات الترفيهية /السيتكوم التي لا موضوع لها غير جعجعة بدون طحين ،و التي لا يتعامل فيها الكاتب مع فكرته و أسلوب حكيه ،و إنما يعمل على ترجمة ما يملى عليه من طرف اﻵخر في ظرف آني ،و هكذا تسبق الكاميرا القلم في تاسيس المشهد الذي غالبا ما تحفه الركاكة و الضعف النصي و الفني من كل مكان ، و ما يجعل منه عملا فاشلا لا يترجم المجهود البشري و المادي المبذول من أجله . في عين الحق لمسنا رغبة في اجتهاد طاقم الكتابة على خلق وحدة فيما بينهم وهذا ما أهلهم إلى الكتابة بتنسيق مشترك على الورقة الواحدة و بنفس القلم ،هذا ما جعلنا أمام المؤلف المفرد دون ان نحس انه عمل لخلية. فالعدد هنا ليس من اجل الكتابة في عمق الموضوع بقدر ماهو من اجل التنسيق حول البناء الاسلوبي الفني المناسب .
إن المسلسل التلفزي عين الحق من اﻷعمال التي راهنت على الكتابة كعنصر اساسي في بناء العمل الناجح ،و امام تفوق الرواية التلفزية في تطوير احداث فكرته و بلورتها وفق ما تقتضيه ظروف الناس نجد تفوق المخرج في لمساته اﻹبداعية التي هيكلت البناء الفني الرائع وفق تصميم منظم محكم وراق.
المخرج هو من يشكل لنا القراءة الثانية للسيناريو قراءة نورية على الشاشة ،و كما نشهد لكثير من مخرجينا نشهد اﻵن لعبد السلام الكلاعي كمخرج نجح في إخراج مسلسل عين الحق الذي منذ حلقته الاولى استطاع ان يوجه إليه انتباه شريحة مهمة من المجتمع و كانت هاته اول علامةتفوق يحصل عليها العمل.
تعد حسن قراءة المخرج للرواية التلفزية و اعتماده رؤية فنية إبداعية استطاع من خلالها التعبير بشكل راق عن كل ما خالج المؤلف من أحاسيس مادية و معنوية مشتغلا في ذلك على محاكاة الحياة واضعا اﻷصبع على الجرح من أجل تطبيبه لا تعميقه . من الواضح لدينا ان عبد السلام الكلاعي تناول عمله بدءا من النص الجاهز معتمدا على المؤلف و مستحضرا قوة التاليف كمرحلة اولى في بناء اي عمل ،فهو لاشك اختار الكاتب وتقبل النص -وإن كان هو من اشرف عليه- مؤمنا بتوزيع العمل التلفزي/السينمائي بين شقيه اﻷساسيين :التأليف واﻹخراج ،كما حاول التعامل مع الموضوع محافظا على نكهته اﻷدبية /الفنية ونجح في ذلك، بحيث ترك لنا فرصة التعرف على الموضوع من حيث كونه سيناريو و في نفس الوقت يمكننا التعرف على اللمسات اﻹخراجية الجيدة . إننا من خلال عين الحق نعيش بحثا مستمرا عن الحقيقة /العين و هذا هو عين الهدف الذي ينشده إبداع المخرج من حيث طرح نفس اﻹشكال : أين تتجلى الحقيقة؟ رئيس الادارة يامل في تحقيق الحقيقة دون المساس بمكانته ،الطبيب المتعلم متشبث بالحقيقة ،وهنا تمكن المخرج من فصل الشخصية المحور الى شخصيتين مزقتهما حدة الخصوم اعتمادا على الجهل في شخص المراة متزعمة الحراك . فاعل آخر يساهم بشكل مباشر في تزييف كل ماهو حقيقي :الصائغ الذي دخل بيت الرئيس مخربا مزيفا وهو نفس ما نستشفه من خلال المراة اﻵتية من خارج المدينة من اجل الفوز بصفقة مربحة …
(العقيدة،العلم) (العقيدة،المصلحة) (العقيدة،الجهل) من هنا كانت الانطلاقة…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.