علي محمد اليوسف باحث و ناقد عراقي في حوار حصري لصحيفة العرب الاقتصادية

ثقافة
4 يوليو 2014wait... مشاهدة
علي محمد اليوسف باحث و ناقد عراقي في حوار حصري لصحيفة العرب الاقتصادية
رابط مختصر

الموصل – العراق – أجرى الحوار:  صلاح بابان

 علي محمد اليوسف باحث و ناقد عراقي الفرح ، موصلّي الألم ، من مواليد نينوى 1944 . له عدة منشورات في أغلب الصحف العراقيّة والعربيّة ، صدرت له عدة اصدارات متنوعة في مجال الفلسفة و النقد  والاجتماع منها (كتاب سسيولوجيا الاغتراب ، قراءة نقديّة منهجيّة في فلسفة الاغتراب عن دار الشؤون الثقافيّة ببغداد سلسلة دراسات فلسفيّة 2010 ، كما طبع طبعة ثانية بعنوان فلسفة الاغتراب عن دار الموسوعات العربيّة في لبنان 2012 ، وكتاب الحداثة اشكاليّة التوصيل والتلقي  عن وزارة الثقافة ضمن الاحتفاء بعام 2013 بغداد عاصمة الثقافة العربيّة كما سيصدر قريبا عن دار نشر ابن النديم ، وكتاب (استقصاءات في الفكر العربي والفلسفة المعاصرة) عن دار دجلة في عمان 2013 ،  وكتاب آخر بعنوان العولمة بضوء نهاية التاريخ طبعة أولى  عن دار دجلة . مراسل صحيفة العرب الاقتصادية التقى الكاتب واجرى معه الحوار التالي .

** : ما مفهوم الحداثة بالنسبة لك ؟ وهل لكل جيل حداثة يتميز بها , أم لكل عصر حداثة معينة ؟

__ : الحداثة مجموعة مفاهيم فلسفيّة ثقافيّة فنيّة , توضع مفاهيمها وتصوراتها وأساليبها قي سياقات تنظيريّة ومفاهيميّة وتطبيقيّة في معالجة مناحي الحياة الإنسانيّة بمجملها , أي إن الحداثة تستهدف تغيير الأيديولوجيات , وأساليب عيش المجتمع , والاقتصاد والتاريخ والحضارة وهكذا , لكن الحداثة عندنا تعني أنها تيار تجديدي في المعارف والأدب والثقافة والفن فقط , وهو مفهوم ناقص لما تريده فلسفة الحداثة في المجتمعات الغربيّة الأوربيّة , لذا كان استيرادنا للحداثة الغربيّة في مجال الاستفادة منها في النقد والأدب وكتابة الشعر والقصّة والرواية , يختص فقط بالبنية الفوقيّة للمجتمع , واقتصر تعاملنا مع الحداثة لمدة نصف قرن أو يزيد على أنها أسلوب أو منهج في التجديد المعرفي الثقافي والفني والأدبي فقط , ولم نستطع إلباس مفاهيم الحداثة عندنا على أنها معالجات للبنية التحتيّة أيضا تشمل السياسـة , والاقتصاد والاجتماع كما هي في الأدب والفنون , فألغينا الحداثة عن ترابطها مع البنية التحتيّة المتخلفة لمجتمعاتنا , لذا لم نعن بتحديثها , قدر عنايتنا بتحديث الأجناس الأدبيّة لأنها حداثة استهلاكيّة سهلة الأخذ والتطبيق لها في هذا المجال . وتكملة للجواب عن سؤالك فالحداثة وما بعد الحداثة وأساليب التجريب في مختلف مناحي الحياة هي في تطور دائم مستمر , ولا ترتبط بجيل , ولا يقيدها عصر من العصور , فهي صيرورة متقدمة دوما نحو الأمام وفتح بوابات المستقبل في التجديد .

** : اذا كان الأمر كذلك , فما هي الأهداف المتوخاة من هذه الحداثة التي ذكرتها آنفا ؟

__ : كما أشرت لك في إجابتي السابقة , نحن تعاملنا مع الحداثة الوافدة لنا , على أنها أسلوب , أو منهج تحديثي تجديدي تقتصر فقط على الفنون والأدب . وبقي تعاملنا مع كل وافد تحديثي على وفق هذا المنطلق المجتزأ , نحن ولحد الآن لم نوظف الحداثة في تحسين حياة المجتمعات العربيّة سياسيا ديمقراطيا , كما لا توظف الحداثة في مجالات تجديد بنى مجتمعاتنا في الاقتصاد , وإطلاق الحريات الأساسيّة , والحقوق المدنية للإنسان , وهكذا . وارى أن الحداثة التي تقصدها في سؤالك , تعني الحداثة في مجال التجديد والتطوير في الأجناس الأدبيّة , فالأهداف المتوخاة منها في هذا المجال تقوم أولاً على التطبيق الناجح الجاد المتمكن من الإفادة منها في تطوير الكتابة الإبداعيّة والثقافيّة والفنيّة , الشيء الثاني أن تكون الحداثة المتحققة في تطوير البنية الثقافيّة والفكريّة للمجتمع , غير مقطوعة ولا منفصلة ولا مجتزأة عن ارتباطها بتحديث حياة المجتمع كاملة , الشيء الثالث يتوجب على التحديث الأدبي والفني أن يؤكد على كسب المتلقي والقارئ لجانبه , فالقارئ في إبداعات الحداثة الثقافيّة اليوم يمثل وسيلة وهدف تحديث اجتماعي سياسي اقتصادي متكامل , ومن غير هذا الفهم ستزداد هوة تنافر قطيعة المتلقي للمنجز الثقافي والفني الحديث , وتبقى عملية التحديث هي نفسها شيئا طارئا في حياة الناس لا يهمهم بقدر اهتمامهم بمشاكلهم الحياتيّة اليوميّة الأهم .

** : ما هي العوامل التي تعتمدها في بناء نصك الأدبي بشكل عام , والنقدي بشكل خاص ؟

__ : لا أفهم مقصدك بـ ” عوامل ” كتابة النص , فهناك أسباب تحفيزيّة تستثير كاتب النص , أي نص في الأجناس الأدبيّة والفنون , مستمدة من مشكلات المحيط , و احباطات الحياة , فيكون النص معتمدا توظيفها ليس بواقعيّة تصويريّة في تطابقها وتماثلها مع الواقع المستمدة منه , وإنما الكاتب أو الفنان يحاول أعطاء رؤية تنويريّة جديدة , لما يجب أن يكون عليه الواقع الخالي من الظلم والفساد ومصادرة حقوق الإنسان , وتبقى آلية وتقنيّة كتابة النص , هي من اختصاص و حذاقة وتجربة المؤلف , وهي تختلف من شخص لآخر , ولا توجد منهجيات تطبيقيّة محددة يلتزمها المبدع في انجاز إبداعه , تبقى مسالة في غاية الأهميّة أن المنجز الإبداعي يداخله الخيال والتخيّل , الذي يلعب دوراً بالغ الأهميّة في إضفاء الجماليّة , وكسب المتلقي , والخيال في العمل الإبداعي المنجز هو أكثر أهميّة من عناصر ومقومات بناء النص المستمد من الواقع حرفيا , فالنص الحداثي اليوم لا يعتمد الواقعيّة فقط , وإنما يدخل التخيّل الابداعي في صلب نجاح الانجاز الإبداعي والثقافي والفني عموما ً .

** : الشعر , القصّـة , الرواية , أسماء لثلاثة أجناس أدبيّة , مختلفة في النظم والطرح ، واكبت الإنسان ومعاناته منذ الأزل , كيف تقيّم علاقة القارئ مع هذه الأجناس , وما هي المميزات المشتركة بينها ؟

__ : منذ أحقاب زمنيّة ماضيّة , كانت هناك عند مختلف الأمم والشعوب مواضعات تقنيّة متعارف ومتفق عليها لتمييز كل جنس أدبي بمفرده , فمثلا كان السائد المعتاد ان الشعر يمتاز بالوزن العروضي والإيقاع , وتكرار القافية وهكذا , وان القصّة القصيرة تعتمد على الثيمة الأساسيّة , و العلاقات الدراميّة بين شخوص القصّة والشيء ذاته في الرواية , اليوم نتيجة تسارع الحياة , وتقدم التقنيّة المعرفيّة والثقافيّة , بدأت تلك الركائز لكل جنس أدبي تهتز و تنهدم , ليحل محلها تقنيات أخرى جديدة , متجاوزة كلاسيكيّة القديم , والآن توجد روابط متينة في تداخل هذه الأجناس ببعضها في بنائها الفني , أما عن علاقة الشعر والقصّة والرواية بالقارئ فهي علاقة بائسة , دأب عندنا المجددون على اعتبار أن القارئ أو المتلقي شيء ثانوي بعلاقته بالنص , وكانت صدمة كبيرة لهؤلاء حين وجدوا كتابات باختين , رولان بارت , دي سوسير وغيرهم عديدين ,. و كتابات و فلسفة ما بعد الحداثة في اللغة واللسانيات التي فلسفت ونظرت وأكدت على أهميّة القارئ أنها توازي أهميّة كتابة النص , فوقع في أيديهم المحظور الذي تاجروا به , وأصبحوا في دوامة من أمرهـم .

 ** : توظيف النقد خدمة للنص حالة ضروريّة جداً , لكن ألا تعتقد إن هذه السمات قد اندثرت عند اغلب نقاد العصر الحديث , فمعظم النقاد تأخذهم المحسوبيّة والعلاقات الشخصيّة , فتغيب مصداقيّة النقد للنص بمضمونه الصحيح ؟

__ : أسمح لي التأكيد بان النقد ليست مهمته خدمة النص , بمعنى تسويقه والترويج له , والاحتفاء به , النقد هو قراءة محايدة موضوعيّة توضيحيّة تعطي النص قيمة ايجابيّة , وتبين ما فيه من نقائص وعيوب , النقد بهذا المعنى كتابة افتراضيّة ثانيّة , في جماليّة النص من قبل الناقد , على وفق منهج أو أسلوب معيّن يعتمده . وأشاطرك القول  أن أساتذة النقد المتمكنين من وسائلهم النقديّة , ارتضوا الابتعاد عن ممارسة النقد الجاد لسببين , الأول هو ضحالة وفقر المنتج الإبداعي , وقلته النوعيّة المميزة وسط الكم الطاغي الهابط الذي لا يستحق الالتفات والوقوف عنده . والسبب الثاني , طغيان نقد تبييض الصفحات , وسد النقص في طلب ” الاستكتاب ” و النشر للهابط السريع من النقود الأدبية والثقافيّة على الصفحات والملاحق الأدبيّة وإدامة دوران عجلة صدور بعض المجلات و استمراريّتها , للأسف الشديد أصبح مجمل العمليّة الإبداعيّة متداخلاً في الانتفاع بدءاً من النص المكتوب و انتهاءاً بالمنشور على صفحات الجرائد والمجلات , وكلها كما ذكرت في سؤالك تقوم على علاقات شخصيّة انتفاعيّة , وأخر اهتماماتها بناء تقاليد صادقة وأمينة مع المنتج الأدبي والثقافي , و ارساء تعامل ثقافي نظيف .

** : يقول د. لورانس : الفنان الحقيقي قائد روحي لمجتمعه , وان رسالته هي كشف سر الحياة , وخلق إمكانيّة جديدة عن عنصر غريب في الحياة , ألا تعتقد أن الأديب العربي أدبه حالة مستهلكة غير منتجة , ورسالته هي رسالة فوضويّة بعيدة عن منطقيّة الواقع و حاجات الإنسان ؟

__ : جواب هذا السؤال بانتقالاته لأكثر من جانب يحتاج إلى إجابة مطولة لا أجد مجالها هنا , لاحظ ان لورانس حسب سؤالك قال ” الفنان الحقيقي ” ولم يقل أي فنان أو كاتب أو أديب , ويوجد في مشهدنا الثقافي – الأدبي اليوم من يحملون رسالة نبيلة ثقافيّة سامية اجتماعياً وروحياً , لكن هؤلاء قليلين جدا ً , وخطأ التعميم الشامل في السؤال بان الأديب العربي أدبه حالة مستهلكة غير منتجة , ورسالته فوضوية … الخ , فيه تجني و إجحاف لمبدعين كبار يعيشون حاضرهم في مآسي مجتمعاتهم ويفجرونها إبداعاً أدبياً و فنياً و ثقافياً , لكن ما يوحي للكثيرين إطلاق مثل هذا الطرح القاسي , هو كثرة الطارئين المعتاشين بطفيليّة ثقافيّة على الابداع الجاد . وتوجد  حاضنات تروج لهم وتسوقهم على حساب نتاج ابداعي واعد لشباب مغمورين , أو لعمالقة الأدب العربي على امتداد أقطار الوطن , وامتداد العصور بدءاً من الشعر الجاهلي , وليس انتهاءاً بما يكتبه البعض من أدب مميز يطاول التاريخ ومصيره الخلود وليس الزوال والاندثار . في كل جنس أدبي مقروء أو مسموع أو مرئي تجد فيه من التجارب الفوضويّة والتطرف الكثير جدا . وهو نتاج نمط فوضوي استهلاكي سطحي يصلح لقضاء وقت الفراغ فقط , والتلاعب بعواطف ومشاعر القارئ , وتسطيح فهمه للأمور .

**: يقول سقراط , إن النقد أساس المعرفة , ألا تعتقد إن مناهج النقد الحديث قامت بتشويه الصورة الحقيقيّة لفكرة وذوق القارئ , ولا يوجد نقد جاد , وهل من الضروري ان يكون الإنسان ناقداً لكل شيء ؟

__ : النقد الذي يقصدهُ سقراط ليس بمعنى النقد الأدبي والفني المتداول , بل يقصد انّ الفلسفة تقوم أساساً على التساؤل المستمر في اكتشاف حقائق وقوانين تخص الإنسان والحياة والوجود , إما تساؤلك عن مناهج النقد الحديث انها قامت بتشويه الصورة الحقيقيّة لفكرة وذائقة القارئ , فأولاً  يجب علينا تحديد من هو القارئ , قارئ اليوم عندنا , قارئ هامش محدود جداً , فهذا أساساً لا يقرأ ولا يتابع نصوص الإبداع في الشعر والقصّة والرواية , كي تكون عنده ذائقة قرائيّة ناضجة , وتأتي مناهج النقد الحديث لتخريجها , فالمؤلف_ كاتب النص _ والقارئ النموذجي حسب تعبير امبرتو ايكود و هذا أبرز رواد الحداثة وما بعد الحداثة يعتبر النص الجيّد والقارئ المتمكّن استراتيجيّان نصيّان , لكل إبداع ولكل منهج نقدي أيضاً .

** : منذ عام 2004 ولحدّ ألان صدرت لك عن بغداد وعمّان وبيروت ثمان إصدارات في الفلسفة والأدب والثقافة عموماً ؟ ما سبب التعتيم المقصود على عدم تناول أحد هذه المؤلفات الرصينة من قبل نقاد أو أدباء أو باحثين في التعريف بها , وبمنجزات  الإبداعي ؟

__ : من دون مجاملة , أقول لك بان التعتيم على مؤلفاتي في الموصل وبغداد هو تحصيل حاصل , إن الوسط والمشهد الثقافي في العراق , موبوء بفايروسات الأنانيّة , والعلاقات الشخصيّة , والتعامل قائم على معايير غمط الإبداعات الحقيقة عن سبق إصرار وتعمد , وتسويق التافه السطحي , وتسليط بريق الإعلام الكاذب عليه . وأقولها بتواضع أن مؤلفاتي لا يستطيع الكتابة عنها سوى المثقف الناضج المتمكن ثقافيا ومنهجيا .

واضرب لك مثلاً : لم يضع فرع اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين , فرع نينوى , على جدول فعالياته النصف شهرية أسمي في احتفالية توقيع كتاب , تم فيه توزيع ” 70 ” نسخة من مطبوعات كتبي الحديثة الصادرة عن بغداد وعمان وبيروت مجاناً على الحضور , وأقيمت الفعاليّة يوم السبت بتاريخ  7/12/2013 على قاعة كازينو الكرم , بإصرار وفرض مني , وتكفي الإشارة إن جدول فعاليّات أنشطة الاتحاد بالموصل هي اساقط فرض من جهة , وتقديم الفعاليّات الفارغة وتفضيلها على الاسهامات الجادة من جهة ثانية ، ولم تدرج الفعاليّة التي قدمتها ضمن المنهاج المرسل للاتحاد العام في بغداد وعزائي بالشاعر يقول .

ألا تـرى الـبحـر تعلو فوقهُ جيفُ

وتـستـقـرُ بـأقـصى قعره الدررُ

وكم على الأرض من خضراء مورقة

ولـيــس يـرجم إلا مـالـه ثمرُ

** : ما هي الركائز التي يحتاجها الشعر كي يستطيع القفز من أرضيّة الشكل التقليدي الموروث . نحو فضاء الشكل الفني المعاصر ؟

__ : سؤال يعيدنا إلى بدايات عصر التجديد الشعري العراقي في منتصف الأربعينات القرن العشرين , فقد تحقق للشعر التقليدي الكلاسيكي , أي النظام العمودي للشعر ركائز عديدة نقلته الى فضاء الشكل الفني المعاصر , وترديد أعادة هذه الركائز لا تضيف جديداً منها , التأثر بالحداثة الشعريّة الانكليزيّة والفرنسيّة , الخروج عن نمطيّة وكلاسيكيّة النظم الشعري العربي , في البحور والتفعيلة وفي وحدة القافية , ومحاولة حضور ذائقة شعريّة جديدة , لم تشق طريقها المرجو منها لحد الآن  وتوجد الآن ”  ردة شعريّة في التزام النظم العمودي , ومغادرة الحداثة والتجديد الذي وصلته قصيدة النثر , تدعمُها مسابقات وجوائز دول ومؤسسات . وخير مثال فرض حظر على تداول مؤلفات أدونيس ، و محمود درويش ووصفهما بالزنادقة من قبل دول خليجية لانهما من رواد تجديد الشعر العربي .

foto 2

عذراً التعليقات مغلقة