قراءة نقدية في كتاب الأستاذ محمد حركات حول« مفارقات حكامة الدولة في البلدان العربية »

2019-02-12T14:52:56+01:00
2019-02-12T17:50:55+01:00
24 ساعةاقتصادالمغربسلايدر 1
12 فبراير 2019wait... مشاهدة
قراءة نقدية في كتاب الأستاذ محمد حركات حول« مفارقات حكامة الدولة في البلدان العربية »
رابط مختصر

بقلم عبدالفتاح الصادقي

تعززت المكتبة الوطنية بصدور مؤلف جديد للأستاذ محمد حركات، حول موضوع « مفارقات حكامة الدولة في البلدان العربية »، وهو مؤلف غني بالمعلومات التي تهم المداخل الأساس لتحقيق النجاعة الشاملة، تنصهر معه أطروحة جديدة حول التدبير الجيد للشأن العام، ويلاحظ الباحثون أن محمد حركات أستاذ الاقتصاد والمالية في جامعة محمد الخامس بالرباط، ظل يركز في أعماله العلمية على مفهوم الحكامة في مختلف أبعادها التدبيرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية والبيئية، حيث كرس حياته العليمة للدفاع عن مفهوم الحكامة كمشروع متكامل في تدبير الشأن العام، باعتباره آلية لتجاوز مختلف المخاطر التدبيرية، وتحقيق المردودية والنجاعة والجودة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، داخل مختلف المؤسسات والهياكل بالقطاعين العام والخاص،  وهو ما ظهر بشكل جلي في مختلف مؤلفاته بدءا بأطروحته حول المجلس الأعلى للحسابات في موضوع « مساهمة في النظرية العامة للرقابة العليا على المالية العامة: حالة المغرب» مرورا ب« الاقتصاد السياسي، لتدبير الشأن العام » و« التدبير الاستراتيجي والمنافسة » و« الرقابة العليا على المال العام بالمغرب العربي» و« تقييم العمل العمومي : مسالك للنقاش » و« نظام النزاهة  العربي في مواجهة الفساد » و « المساءلة والمحاسبة: تشريعاتها وآلياته في الأقطار العربية » و « ثالوث الاستبداد والفساد والإرهاب : مساهمة في الاقتصاد السياسي للفساد »، وغيرها من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية، وصولا إلى مؤلفه الأخير « مفارقات حكامة الدولة في البلدان العربية » الذي صدر أولا باللغة الفرنسية قبل أن يصدر مترجما إلى اللغة العربية..
إننا مع الأستاذ محمد حركات في مؤلفه الجديد، بصدد بلورة منظومة فكرية متكاملة حول الحكامة، أو حقل معرفي جديد يمكن أن نغامر ونطلق عليه اسم  « الحكامتولوجيا »، ، والتي ترتكز  على تراكم معرفي وعلى مناهج ونظريات، وتسعى إلى تمثل المنطق العلمي في التجميع والبحث والتحليل والاستنتاج ..
لقد أضحى الأستاذ حركات أحد رموز البحث البارزين، على الصعيدين الوطني والدولي، في « الحقل المعرفي » المتعلق بالحكامة، من خلال مساهماته المتواصلة في تطويع وتطوير استعمال المفهوم في مختلف مجالات الحياة..
ويأتي الكتاب الصادر بالفرنسية أولا في سنة، والذي صدرت ترجمته بالعربية في سنة 2018، مواصلا الخط الذي رسمه المؤلف منذ حوالي ثلاثة عقود من البحث الأكاديمي الرصين، والذي يراهن فيه على تحقيق أحد أهدافه العلمية، والمتثمل في  تطبيق نظرية « الحكامتولوجيا » على أرض الواقع، داخل المنطقة العربية، من منطلق قناعته الراسخة بأن الأمر ممكن، بالرغم من وجود العديد من الإكراهات البنيوية، وهو المسار الذي عشنا تفاصيله إلى جانب الأستاذ حركات منذ سنة 1996، بعد تأكيد دسترة المجلس الأعلى للحسابات، حيث تعددت أبحاثه ودراساته حول الرقابة والتدقيق والتدبير الجيد للشأن العام والحكامة.
ويتوزع هذا المؤلف، الذي يعتبر قيمة مضافة  للطلبة والباحثين و صناع القرار، على  254  صفحة من القطع المتوسّط، وينقسم إلى ثمانية فصول، بالإضافة إلى  كلمات تقديمة لخبراء متخصصين، ومقدمة الترجمة العربية باسم المؤلف، وهي على الشكل التالي :
الفصل الأول: تحديات ورهانات الحكامة الاستراتيجية للدولة في البلدان العربية في القرن الحادي والعشرين .
الفصل الثاني : مظاهر وأبعاد حكامة الدولة .
الفصل الثالث: مساهمة مراكز الفكر في تطوير الحكامة الاستراتيجية للدولة. الفصل الرابع : الدبلوماسية الاقتصادية والحكامة الاستراتيجية والنمو: أي ديناميات؟.
الفصل الخامس: رهانات وتحديات الحكامة المحلية.
الفصل السادس : تقييم السياسات العمومية ونظم الحكامة: تحديات منطقة تعيش في قلب التوترات .
الفصل السابع : من حكامة الجامعة إلى حكامة اقتصاد المعرفة. الفصل الثامن : عشر مقترحات لتجديد ودعم تدريس الحكامة والعلوم الإنسانية.
إن الحكامة من منظور المؤلف منظومة شاملة لتدبير الحكم، إنها  « قضية تتعلق بتطوير ديمقراطية مستدامة تتجلى في اكتساب قدرات ومهارات دائمة، على مستوى فصل السلط، واستقلال مختلف مكونات الحكومة، وممارسة السلطة، طبقا لمبدأ سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واعتماد الشفافية والمساءلة، سواء على الصعيد الوطني أو المحلي ».لقد ركز المؤلف في كتابه على بعد إجرائي أساسي، يتمثل في كون تطبيق الحكامة داخل الفضاء العمومي العربي، يعد خيارا لا مفر منه من أجل التصدي للأعطاب المجتمعية وتحقيق قفزة نحو الأمام، بخصوص تدبير الشأن العام المحلي والوطني،  وهذه الحكامة مرتبطة أشد الارتباط بمجالات حيوية ومفصلية في هياكل الدول، داخل المجتمعات العربية، ويتعلق الأمر بمراكز الفكر والتعليم والبحث العلمي وانخراط المؤسسات الجامعية في اقتصاد المعرفة والدبلوماسية الاقتصادية، وهي المجالات التي تستدعي التشريح المجهري، وإخضاع أعطابها للعلاج، واستغلال نقط قوتها و فرصها، حتى تصبح عوامل فاعلة في تحقيق الحكامة وليس عوامل مشوشة ومعطلة لها.
إن نظرة متفحصة لعناوين الفصول أعلاه تجعل المتفحص يدرك المضامين الكبرى للكتاب، سواء على مستوى النظريات والمناهج المعتمدة في رصد المعلومات وتبويبها و تحليلها، أو على مستوى الأفكار والتصورات، المرتكز عليها،  أو على مستوى الخلاصات والاستنتاجات التي انتهى إليها المؤلف، والتي تؤكد على جعل منظومة الحكامة وسيلة وغاية في آن واحد.
إن التمعن في  مضمون الكتاب، يبرز أن المؤلف اعتمد على قاموس مفاهيمي متعدد الأبعاد والمسارات، تتقاطع فيه حقول معرفة متنوعة كعلم الاجتماع والقانون  والاقتصاد والعلوم الإدارية والعلاقات الدولية والدبلوماسية وعلم المستقبليات، حيث استطاع أن يمحو الحدود والفواصل بين هذه الحقول، ويجعلها متكاملة في أدوارها، وهو يمثل عنصر قوة في التصور العام الذي اعتمد عليه المؤلف من أجل خدمة الأطروحة التي يدافع عنها ….
والواقع أنّ  هذا الكتاب، من خلال الأمثلة الحية والمعطيات الواقعية التي اعتمد عليها، يقدم تصورا معقولا ومنطقيا للتعامل مع مفهوم الحكامة، الذي ظل في كثير من الكتابات مفهوما هلاميا وفضفاضا، يشوبه الغموض والانبهام، وهو بذلك يعتبر محاولة حذرة ويقظة  لتفنيد الصور النمطيّة  التي ظلت لصيقة بهذا المفهوم باعتباره يمثل نوعا من الاستيلاب الفكري والانبهار بمنتوج الآخرين،  والهرولة وراء أفكارهم دون تمحيص و تفكير .
إن هذا المؤلف المكتوب بلغة سلسة وبأسلوب بسيط وشيق ، يجعل القارئ، ملتسقا بالواقع عبر مساءلته والتفكير في طبيعة أعطابه وأعراضه المرضية، ويدفعه إلى طرح سؤال عريض حول كيف يمكن تطبيق الحكامة، كمنظومة معيارية للتدبير، أن يساعد دولة ما، أوجهازا ما، أو مؤسسة ما، على تلافي « حوادث السير « وتوسيع هامش الربح، والانخرط  في مسار متطور من النجاعة والفعالية والمردودية…

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.