قفص دخل التاريخ

كتاب العرب TV
26 نوفمبر 2013wait... مشاهدة
قفص دخل التاريخ
رابط مختصر

تملك مصر تقريباً ثلث آثار العالم في مختلف العصور التاريخية التي تمتد في عمق الزمن لسبعة آلاف عام تقريباً ، ولكن عنايتنا بهذه الآثار والحفاظ عليها وصيانتها واستغلالها سياحياً وثقافياً تشوبها الكثير من أخطاء الإهمال ولعله نوع من البطر فمن يملك الكثير جداً من شيء ما تقل عنايته به ، وفي كل عصر يعطينا التاريخ أحد كنوزه الأثرية بكرم حاتمي اختصت به مصر فلكل عصر آثاره المبهرة ، التي تدخل التاريخ من خلال حدث كبير ومؤثر.
وفي رأيي أن الأحداث التي مرت بها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 وحتى اليوم أضافت إلى تاريخ مصر ومتاحفها نوعاً جديداً من الآثار يذكر الأجيال القادمة بالإعجاز المبهر الذي قام به الشعب المصري  في ثلاثين شهراً غيرت وجه التاريخ ؛ فقاعة أكاديمية الشرطة بالتجمع الخامس بمدينة القاهرة التي عقدت فيها جلسات محاكمة كل من الرئيسين الأسبق والسابق أو المخلوع والمعزول أيا كانت التسمية وذلك القفص المحظوظ أثرياً وتاريخياً الذي دخله متهمان كان كل منهما رئيسا للجمهورية يستحق مكان الصدارة في متحف جديد يؤرخ لهذه الفترة التاريخية الفاصلة ، ويمكن للأثريين أن يبتكروا لهذا القفص طرقاً متعددة للعرض المتحفي مثل عمل تماثيل شمع للرئيسين أثناء المحاكمة أو وضع برنامج للصوت والضوء يتحدث فيه القفص عما حدث فيه وأمامه خلال المحاكمات وأؤكد أن زوار هذا المتحف وإيراده السياحي سوف يصل إلى المليارات في أقصر مدة زمنية وسوف يتفوق على متاحفنا المتعددة التاريخية والثقافية والفنية.
وسوف ترى الأجيال القادمة كيف واجه كل من الرئيسين المتهمين المحاكمة وكيف تعامل كل منهما مع قرار الاتهام ؛ وأعتقد أن مبارك سوف يكتسب قدراً من الاحترام في نظر زوار المتحف من أجيال لم تعان من طغيانه أو فساده ولكن السيد محمد مرسي العياط ومن خلال ما رأيناه في الجلسة الأولى وما نتوقعه منه في الجلسات القادمة لن يحظى من الأجيال القادمة بأي قدر من التعاطف أو الاحترام بل بالكثير من السخرية والتهكم التي يمكن أن تصنع ملاحم من الأقاصيص والأساطير الكوميدية الضاحكة والساخرة ، واقترح على الأجيال القادمة عنواناً لإحداها ” سيرة القرداتي العياط في الغباوة والاستعباط “.
فقد كانت الجلسة الأولى لمحاكمة مبارك تتسم بوقار الجلسات الإجرائية ، واحترام المتهم وزملائه لقواعد ومراسم الجلسات وإجابته باحترام واختصار على أسئلة القاضي وإنكاره التهم بشموخ رجل الدولة ، والسير في إجراءات المحاكمة كما ينص القانون وتوكيل هيئة دفاع على رأسها محام قدير ولم يشب هذه الجلسة سوى تزاحم وتكالب المحامين المدعين بالحق المدني على الظهور الإعلامي وعالجته هيئة المحكمة بمنع البث المباشر والنشر الصحفي وحين صدر الحكم بإدانته ومعاقبته بالمؤبد استخدم الطريق القانوني السليم في النقض وطلب إلغاء الحكم وإعادة المحاكمة أمام هيئة أخرى.
أما الجلسة الأولى لمحاكمة مرسي فقد كانت نموذجاً للكوميديا السوداء المثيرة للسخرية والاستهزاء فالرجل مازال متمسكاً بأنه مازال رئيساً شرعياً ، وأن المحكمة غير مختصة بمحاكمته كرئيس متجاهلاً أن التهم الجنائية المتعلقة بالنفس والمال ” أي تهم القتل والسرقة والترويع والإرهاب ” لا حصانة للمتهم بها أيا كانت وظيفته حتى وإن كان يشغل منصبه فعلاً ولم يعزله
الشعب.
وأن جميع النظم الديمقراطية وغير الديمقراطية أيضاً لا تعفى الحاكم من المساءلة القضائية على التهم سواء كانت جنحة أو جناية ، وقد قام رئيس محكمة جنح الإسماعيلية بالتحقيق في تهمة هروبه من سجن وادي النطرون وهو على كرسي الرئاسة وأحال جناية التخابر لمحكمة الجنايات المختصة طبقا للقانون وللنص الدستوري الحاكم في كل دستور مصري أن المصريين سواء أمام القانون ولا حصانة لمنصب إلا في الحدود التي تكفل له تأمين أداء واجبات منصبه.
وقد كان الأداء الكوميدي الزاعق لمرسي ومن معه في القفص وإصراره على ممارسة عادته الشهيرة التي كثيراً ما استخدمها خلال عام رئاسته الأسود وهي أن يتكلم كثيراً دون أن تفهم من كلامه شيئاً محدداً أو يخرج عن موضوع الحديث إلى موضوعات أخرى لا علاقة لها به ، فيدخل المستمع في متاهة من التراكيب اللغوية التي لا تعني شيئاً ولا تحسم أمراً ولا تحوي حجة أو رأياً ، مع استخدام مغالطات وادعاءات لا تتسق مع الواقع أو المنطق ، وأظن أنه سوف يستمر في هذه الممارسات بعض الوقت حتى يصطدم بالواقع الذي مازال يرفض الاعتراف به فمن يسير في خطوط متعرجة في طريق مستقيم لن يقطع أي مسافة توصله إلى نهاية الطريق فهذا الرجل الذي فتح جاكت حلته يوم انتخابه مباهيا أغلق زرها يوم محاكمته مغلقا الستار على حكم جماعة شديدة الغباء والتسلط.
وما بين فتح جاكتة وقفلتها .. يغير الله من حال إلى حال

إن حكاية القفص التي سوف يرويها للأجيال القادمة في متحف الثورة لم تكتمل فصولها بعد ومازال القفص في انتظار استكمال ما سوف يرويه. 

هيام محي الدين – كاتبة وصحافية مصرية 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.