الكاتب المغربي حميد المرزوقي : إشكالية انخراط الشباب في العمل السياسي

2021-05-12T16:44:12+01:00
2021-05-12T17:52:04+01:00
24 ساعةكتاب العرب
12 مايو 202163 مشاهدة
الكاتب المغربي حميد المرزوقي : إشكالية انخراط الشباب في العمل السياسي
رابط مختصر
 المرزوقي 2 - العرب تيفي Al Arabe TV مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لهذه السنة 2021، أصبحت تتعالى عدة أصوات محاولة طرح إشكالية مشاركة الشباب في الاستحقاقات الانتخابية، ومن تم في العمل السياسي، وبإلقاء نظرة أولية على مختلف التحليلات والمناقشات الرائجة والمتداولة، يمكن حصرها في المحاور التالية:
1- إن الأحزاب السياسية المغربية لا تبذل الجهد الكافي لاستقطاب الشباب، ووضع الثقة فيهم للتدرج في المسؤوليات الحزبية، والاكتفاء بالاستعانة بهم في الحملات الانتخابية وبعض الأدوار الثانوية؛
2- إن الشباب منشغل عن العمل السياسي باهتماماته الخاصة، التي تبقى بعيدة كل البعد عن الفعل السياسي، كالموسيقى الشبابية ومقابلات كرة القدم والأفلام الأجنبية، وغيرها من الاهتمامات المألوفة لدى الشباب؛
3- أن المجتمع المغربي لم يعد قادرا في العقود الأخيرة على تربية الشباب، وتسليحهم بالقيم التي تساعدهم على الانخراط في تدبير الشأن العام، وبالتالي انخراطهم في العمل السياسي؛
4- إن الأسرة المغربية قد أصابها نوع من الوهن، نظرا لانكماشها من الأسرة الممتدة المكونة من الجد والجودة والأبناء والأحفاد الذين يتعايشون في بيت واحد، إلى الأسرة النووية المكونة من الزوج والزوجة والأبناء، وهو ما قلص من الدور التربوي للأسرة، وجعلها أقرب إلى خلية اقتصادية يسعى كل أفرادها الحصول على دخل يضمن عيشهم الكريم، بدل خلية اجتماعية و اقتصادية كانت إلى وقت قريب تمثل سر تلاحم وانسجام المجتمع المغري وتضامنه في مدنه وقراه؛
5- تراجع المدرسة عن وظيفتها التربوية، التي لعبتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، واقتصارها فقط على الوظيفة التعليمية، واختزال منظومة التعليم للعملية التعليمية في تلقين المواد في انفصال تام عن الأهداف المجتمعية المتوخاة منه.
انطلاقا من هذا يمكننا تلخيص هذه النقط الخمس مجتمعة في محورين أساسيين هما:
1 – التنشئة الاجتماعية، 2 – التنشئة السياسية؛ وهو ما سنتناوله بشيء من التفصيل فيما يلي.:
المحور الأول: التنشئة الاجتماعية:
تكتسي التنشئة الاجتماعية أهمية أساسية ومحورية في كل المجتمعات منذ تشكيلاتها البدائية إلى الآن، حيث أولاها الفكر الإنساني أهمية خاصة عبر محاولاته الفكرية والفلسفية منذ الفلاسفة الأبقوريين والفزيوقراطيين والإغريقيين واليونانيين والرومانيين ثم الإسلاميين إلى الآن، وهو ما خلد أسماء لمفكرين نورد أسماْ بعضهم على سبيل المثال لا الحصر ك : أبقور، أفلاطون، ارسطو، اريسطوطاليس ، ابن سينا ابن المقفع، الرازي، الخوارزمي، ابن خلدون، سان سيمون، وماركس وأنجلز، وفي المغرب محمد عزيز لحبابي،عبد الهادي بوطالب، محمد عابد الجابري، المهدي المنجزة، عزيز بلال، عبد الله العروي، كل هؤلاء الفلاسفة والمفكرين الذين اغنوا الفكر الإنساني بمقارباتهم و نظرياتهم التي أجمعوا فيها أن التربية هي عماد المجتمع ومستقبله وعدم وجودها أو ضعفها يعتبر إيذانا ببداية تفسخ المجتمع وانهياره أو كما يقول ابن خلدون “ومتى استشرى الفساد فعلم انه هو نهاية العمران” أو ما أكده بصيغة أخرى المفكر الكبير عبد الله العروي ” ماذا تعني التربية إن لم تكن تعاني معاناة سلطة الأب، الأم، الأسرة، العشيرة، القبيلة، وماذا تعني الحرية إن لم تكن تعني عكس هذه المعاناة…” و التربية حسب أرسطو هي نقلة نوعية غايتها نقل المربى من حالة القصور، إلى حالة القدرة، أو الكمال النسبي أو نقله من حالة الجهل إلى حالة المعرفة، مما تقدم يظهر أن التربية عملية اجتماعية اقتصادية ،ثقافية وسياسية تساهم فيها الأسرة، المنظومة التعليمية(المدرسة) ثم المجتمع، كل جهة تسعى انطلاقا من وظيفتها في التعامل مع النشأ لتنشئته تنشئة تجعله قادرا على تخطي مرحلة القصور إلى حالة القدرة على أداء دوره في المجتمع على النحو المطلوب، غير أن التحولات العميقة التي عرفها المغرب منذ ستينيات القرن الماضي إلى الآن وتعاقب حكومات مختلفة المرجعيات والخلفيات، وتحول بناء الدولة وهندستها بتعاقب دساتير 1962، 1970، 1972، 1992، 1996 2011، من ملكية دستورية يتمتع فيها رئيس الدولة الذي هو الملك بصلاحيات كبيرة تميل إلى الجمع بين السلطات الثلاث وبالأخص في مرحلة الاستثناء 1965/1970، إلى انفتاح تدريجي على مأسسة الدولة والتنازل عن العديد من الصلاحيات لفائدة السلطة التشريعية ثم التنفيذية، إذ وقع الانتقال من حكومة يرأسها الوزير الأول إلى حكومة يرأسها رئيس الحكومة، وفي نفس السياق تم تسجيل تحول مهم على مستوى السلطة القضائية بإقرار استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية حيث أصبح على رأسها إطار قضائي سام ولم يعد وزير العدل يمارس وصايته على القضاء، وبذلك أصبح بناء الدولة يرتكز على مؤسسات دستورية قوية في تطبيق صريح لمبدأ الفصل بين السلطات…، هذا التحول العميق على مستوى بناء الدولة لم يواكبه إقرار بركائز واضحة المعالم لبناء المجتمع، لأن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على ترسانة من القوانين، وإنما بناؤه يمر عبر اعتماد منظومة قيم وضوابط لسلوك الأفراد والتشكيلات الاجتماعية التي تكونه، فالأسرة التي هي الخلية الأولى للمجتمع عرفت تحولات تكاد تكون جذرية في المدن الكبرى لتحتفظ بالقليل من مرتكزاتها في المدن الصغيرة والبوادي، وهو ما قلل بشكل كبير من دور القيم في تنظيم المجتمع لفائدة الفرد والفر دانية حيث ولى عهد المصلحة العامة وأضحى الفرد لا يربطه بالمجتمع الذي يعيشه إلا المصلحة الخاصة والمنفعة الآنية، بعبارة أخرى لم يواكب بناء الدولة وهياكلها إرساء آليات قادرة على بلورة منظومات قيم مواكبة على المستوى الاجتماعي بل حتى الأسرة تخلت عن دورها التربوي تتبعها المدرسة التي تخلت تدريجيا عن دورها التربوي لفائدة التعليم والتلقين والتكوين لتأهيل الأطر حسب حاجياته للمهارات والكفايات ومتطلبات سوق الشغل، دونما التفكير في الاعتبارات الأخلاقية والتربوية، في تناقض صارخ مع ما قاله الشاعر الكبير حافظ إبراهيم :”إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”، اضمحلال دور القيم في بناء المجتمع المغربي الناتج عن تخلي الأسرة عن دورها التربوي، وتخلي المدرسة عن دورها في التنشئة الاجتماعية، يعطينا تفسيرا أوليا عن العوامل التي دفعت الشباب إلى العزوف عن المصلحة العامة والشأن العام وتقوقعه في خدمة مصالحه الخاصة، انطلاقا من هذا يتضح أن معوقات التنشئة الاجتماعية في المغرب تكمن في انشغال الدولة بإصلاح هياكلها وتطوير هندستها بشكل يسمح بتحديثها، حتى تتمكن من رفع تحديات الدمقرطة والتنمية الاقتصادية، غير أن هذا التوجه كان على حساب رسم الإطار العام للمشروع المجتمعي المغربي الذي أصبحت تطغى عليه التمظهرات الاقتصادية والمؤسساتية، وتختفي من أسسه القيم والمبادئ، التي بدونها لن نستطيع مهما حاولنا بناء الدولة بناء شموليا متكاملا، لأن بناء الدولة يجب أن ينطلق أولا وقبل كل شيء من بناء الإنسان وهذا ما سبقتنا له العديد من النماذج كاليابان وبعدها اندونيسيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، حيث أن هذه المجتمعات سارت في نهج ذي خطين متوازيين متكاملين، الأول تركز على بناء الهياكل القانونية والاقتصادية للدولة، أما الثاني فقد تركز على بناء الإنسان، وذلك بتبني منظومة تعليمية تقوم على أنساق قيم مجتمعية ثابتة وصارمة مبنية على مفاهيم تنطلق من تاريخها وحضارتها، وليس على مفاهيم مستوردة كالحداثة بمفهومها الغربي، التي تؤمن بها بعض الفعاليات السياسية والاجتماعية المغربية، في الوقت الذي كان فيه ممكنا تبني مفهوم مغربي للحداثة يتمسك بقيمه دون أن يرهنها بالانكماش في ممارسات وقناعات متجاوزة لا طائل منها، ودون مسخ المجتمع المغربي بتبني بعض الممارسات المتفسخة، التي لن يجني منها المجتمع إلا سلوكيات مبتذلة وفاسدة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تربي الأجيال المقبلة، على الانخراط في الشأن العام وتتبع ما يقع في المجتمع من تحولات، وهو ما لخصه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في المقولة التالية :” إن تطوير العقل العربي أو تجديده يجب أن يتم من خلال ممارسة الفكر القديم نفسه والعيش معه ونقده من الداخل، وليس من خلال رفضه رفضا مطلقا”. وقوله:” أولئك الذين يرفضون ثراثهم العربي الإسلامي يقبلون قبولا غير واع تراثا آخر يتخدون منه منظومتهم المعرفية”
المحور الثاني: التنشئة السياسية:
بالنسبة للتنشئة السياسية الأمر محسوم لأن الفصل 11 من دستور 2011 ينص بشكل صريح أن ” تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي،وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية
تُؤسس الأحزاب وتُمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون
نظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع
لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي ، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان ولا يجوز أن يكون هدفها المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي، أو المبادئ الدستورية، أو الأسس الديمقراطية، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة
. يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.
يحدد قانون تنظيمي، في إطار المبادئ المشار إليها في هذا الفصل القواعد المتعلقة، بصفة خاصة، بتأسيس الأحزاب السياسية، وأنشطتها ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكذا كيفيات مراقبة تمويلها “.
والسؤال الذي يتعين علينا طرحه في هذا السياق هو هل أن الأحزاب السياسية المغربية تقوم بهذا الدور القاعدي ؟ الجواب بالنفي وهو راجع للاستنتاجات التالية:
أولا: أن هيكلة الأحزاب السياسية المغربية هي أقرب من هيكلة الجمعيات، منه إلى هيكلة الأحزاب السياسية، وذلك راجع على ما يبدو إلى أنها لم تجهد نفسها لبلورة ضوابط سياسية كافية وقادرة على تنظيم اللعبة السياسية، انطلاقا من أن القانون لا يمكنه أن يمتد ليشمل التنظيم السياسي للأحزاب السياسية، وإلا سيكون هذا من قبيل من يعطي شيئا بيد ويأخذه باليد الثانية، ما دام الدستور الذي هو أسمى قانون في البلاد قد أوكل لهذه الأحزاب التكوين و التأطير في المجال السياسي لذلك كان عليها قبل أن تشرع في تكوين منخرطاتها ومنخرطيها أن تبدأ بتأهيل نفسها سياسيا وذلك باعتماد هيكلة الحزب هيكلة ثلاثية الأبعاد تشمل :
1- البعد النظري أو المفاهيمي؛
2- البعد الإستراتيجي؛
3- فالبعد التكتيكي أو المرحلي.
وليس بعدا أحاديا كما هو معمول به الآن، حيث أن الأحزاب السياسية المغربية تعتمد اعتمادا كليا على برنامجها الانتخابي الذي ينحصر في البعد التكتيكي المرحلي وهو ما لا يسمح بالتوفر على الأدوات الديداكتيكية السياسية لإقناع الشباب بالانخراط في العمل السياسي ، ويختزل اللعبة السياسية في العمليات الانتخابية، التي غالبا ما تقوم على التعبئة الميدانية والمخالطة اليومية والتجمعات والولائم و الاستقطاب المادي و التجييش، بدل الإقناع المبني على الأفكار والمبادئ والمفاهيم، أو ما يعبر عنه في العمليات السياسية بالمذهبة، وبذلك تتحول الأحزاب السياسية إلى وكالات انتخابية تشتري أصوات الناخبين وتبيع التزكيات للمرشحين.
إن افتقار الأحزاب السياسية للبعد المفاهيمي، واكتفائها بالاختباء وراء مشاريع الدولة، و الأوراش الملكية الكبرى، وذلك بتبنيها و الثناء عليها، يبرهن على أنها غير قادرة على بناء نظرياتها الحزبية، ومن تم مشاريعها المجتمعية ، وقد ظهر هذا جليا بمناسبة بلورة النموذج التنموي المغربي حيث ظهر عليها التلكؤ والارتباك وبادرت إلى تعبئة كل طاقاتها لبلورة مقترحاتها، في الوقت الذي كان بإمكانها أن تخرج من هذا التمرين مرفوعة الرأس لو كانت تمتلك نظرية حزبية واضحة المعالم، ومشروعا مجتمعيا يترجم اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
نفس الشيء نقوله عن افتقارها للبعد الاستراتيجي، حيث تتسابق لتبني مخططات الدولة، معبرة بوضوح عن ضعف قوتها الاقتراحية وقصور رؤاها المستقبلية، في الوقت الذي كان مفروض فيها امتلاكها لإسراتيجتها التنموية الشاملة التي توافق الجيل الذي تمثله، والذي ينخرط معها بعفوية، لأنه متأكد من أنها ستحقق أحلامه انطلاقا من اعتبار الإستراتيجية وسيلة لتحقيق حلم الأجيال لأن عمر الجيل 33سنة وهو ما يوافق مدى الإستراتيجية الذي هو أيضا 33سنة ، إن اعتماد الأحزاب السياسية المغربية على البرامج وافتقارها للمخططات الإستراتيجية التي ترصد لتبني حلم الأجيال يعطينا تفسيرا أوليا لعزوف الشباب عن العمل السياسي وعدم انخراطه فيها لأنها لا تعنيه ولا تعبر عن أحلامه وانتظارا ته.
والخلاصة أن إصلاح المشهد السياسي المغربي، بات يشكل أولوية الأولويات بالنسبة للمجتمع المغربي حتى يتأتى تقليص الهوة بين أحلام الشباب، وانتظار اتهم من جهة، ومخططات الأحزاب السياسية وبرامجها من جهة ثانية، للقضاء على ظاهرة عزوف الشباب عن العمل السياسي وهو مطمح كبير، وحلم يراود كل مغربي ومغربية لا يمكن تحقيقه إلا بتبني منظومة تعليمية، قادرة على حمل المشعل الحضاري من جيل إلى جيل، قي إطار سياق حضاري، يضمن للمغرب الحفاظ على مقوماته ومرتكزا ته الحضارية، وهو أمر يبقى بعيد المنال دون تبني منظومة قيم نابعة من تاريخ المغرب تتبناها كل قواه الحية بما فيه فعاليات مجتمعه المدني، والهيآت النقابية و الأحزاب السياسية التي يجب إعادة النظر في تعدديتها المطلقة وذلك بتبني منظومة سياسية متقاطبة تعيد رسم المشهد السياسي على أسس مفاهيمية واضحة وشفافة تضمن للأطياف السياسية الظهور والمشاركة في الفعل السياسي بشكل متوازن بيمينها ويسارها ووسطها وتفسح المجال لتربية الأجيال على قيم المواطنة والانخراط في العمل السياسي البناء.
-د.حميد المرزوقي : كاتب مغربي 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.