العرب تيفي Al Arabe TV

ذ الحسين الرامي : الطالب الجامعي وسؤال الحوافز المأمولة في سياق إصلاح منظومة التعليم العالي

ذ الحسين الرامي : الطالب الجامعي وسؤال الحوافز المأمولة في سياق إصلاح منظومة التعليم العالي

 

بعد أن تمت إثارة ظاهرة الغش في الحلقة السابقة ورصد مظاهرها وآثارها المدمرة لصورة الجامعة والجامعيين، مع استحضار المقاربات الممكنة لمحاربتها، ارتأيت في هذه الحلقة، أن أتناول سؤال وضعية الطالب وعلاقته بإشكالية الحوافز الذاتية والموضوعية. يتعلق الأمر بمدى الاهتمام بمشكلات اجتماعية تقض مضجع الطلاب الجامعيين في سياق الحديث عن إصلاح الجامعة ومؤسساتها وعن الاستثمار في الموارد البشرية وتمتين قدراتها. وهو سؤال يستمد مشروعيته من الإكراهات والتحديات والمثبطات الكثيرة والمركبة والمؤثرة في المسار الدراسي للطالب وتكوينه الجامعي.
في هذا السياق، يمكن طرح ثلاثة أسئلة أساسية، من بين أخرى، كأرضية لنقاش هادئ ومثمر وهادف:
1. لماذا يستحق الطالب أكثر من عناية واهتمام وتحفيز؟
في نظري، هناك أكثر من سبب ومبرر ودافع للعناية والاهتمام بالطالب وتحفيزه للانخراط في العملية التعلمية، وإدماجه في قلب العملية التربوية، وجعله فاعلا فيها، كما أكدت على ذلك مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين. فالطالب الجامعي هو:
– مشروع نخبة سياسية وفكرية وثقافية واقتصادية واجتماعية، تحمل هموم بناء مشروع مجتمعي مندمج ومتناسق ومتكامل.
– مشروع قيادة مجتمعية وسياسية ونقابية وإدارية مفعمة بحب الوطن وخدمة قضايا الأمة والمجتمع.
– الرأسمال البشري القادر على بناء المشروع المجتمعي الطموح والرفع من شأن الأمة وعزتها بين الأمم وتأسيس المجتمع المتوازن والسليم، من خلال ما يمتلكه من معارف وخبرات وقيم في مسيرته الدراسية.
– سبب وجود الجامعة بأطرها وهياكلها وبنياتها، كمؤسسة مواطنة وفاعلة ومتفاعلة مع قضايا ومشكلات المجتمع.
2. كيف يمكن بناء وترسيخ ثقافة العناية والاهتمام بالطالب الجامعي؟
يمكن اعتماد مجموعة من الخطوات لتنمية الحوافز اللازمة لإدماج الطالب في العملية التعلمية وحثه على قيم الجد والاجتهاد والابتكار والتفكير الإيجابي وإحداث القطيعة مع الممارسات السلبية ، من أهمها:
– المقاربة التشاركية، من خلال الإشراك الفعلي لممثلي الطلبة في مختلف الهياكل الجامعية التقريرية، و في مسلسل اتخاذ القرارات المصيرية التي تهم العملية التربوية والتعلمية في الجامعة.
– المقاربة المؤسساتية، من خلال حث المؤسسات المختصة، للانكباب على معالجة المشاكل المكبلة لقدرة الطالب على الانخراط الفعلي في العملية التعليمية والتعلمية، وتشجيع ودعم الأندية الطلابية على تنظيم أنشطة تروم تعبئة الطلاب وتحفيزهم وانخراطهم وإدماجهم.
– المقاربة الاجتماعية، من خلال الانكباب على المعالجة الجريئة والجذرية لقضايا ومشكلات الصحة والنقل والمنح والسكن والتغذية السليمة، وتمكين الطالب من الخدمات اللائقة واللازمة لضمان نوع من الإحساس بالراحة والطمأنينة والسكينة الضرورية لعملية التعليم والتعلم.
– المقاربة البيداغوجية، من خلال استحضار الفاعلين في الحقل التربوي للإكراهات والتحديات التي تواجه الطلاب في مسارهم التكويني واعتماد طرق ومقاربات حديثة في العملية التعلمية تروم:
– خلق الأمل وبناء الثقة وبثها في نفوس الطلاب وتحفيزهم على الجد والاجتهاد والابتكار.
– مساعدة الطالب على الاندماج في فضاء الجامعة والتعرف على نمط الحياة الجامعية والدراسية؛
– تقوية القدرة على الاكتشاف والتغيير والفهم والاستيعاب والعمل بطرق وآليات منهجية تساعد على حسن تدبير عامل الزمن؛
– تقوية القدرة على اكتساب العلم والمعرفة بالاعتماد على طرق منهجية سهلة وناجعة وفعالة؛
– تقوية شخصية الطالب وجعله فاعلا ومتفاعلا مع المقررات الجامعية، ومع محيط الجامعة الداخلي والخارجي، وتحفيزه من أجل العمل بشكل مستمر ومستقل ومسؤول.
3. من يتحمل مسؤولية تنمية الحوافز لدى الطالب الجامعي أو ما يمكن تسميته بصناعة الحوافز والرغبة الجامحة في التعلم ؟
لا مراء في كون الطالب يتحمل مسؤولية تنمية حوافزه الذاتية، من خلال العمل المستمر، من أجل بناء قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة وفورية ومصيرية تستهدف معالجة بعض الظواهر المتفشية في الوسط الجامعي(حالة التردد و الضجر والملل، و الكسل والتواكل وعادة التسويف…) . وهي من الأسباب المؤدية إلى تدني النتائج وضعف نسب النجاح وضعف مستوى الأداء و تنافسية الطلبة وصعوبة اندماجهم في سوق الشغل بعد حصولهم على الشواهد الجامعية.
أما الفاعلون الآخرون الجامعيون وغير الجامعيون، على المستوى المركزي والجهوي والمحلي، فهم يتحملون مسؤولية توفير كافة الظروف الكفيلة لانخراط الطالب في العملية التكوينية من خلال اتخاذ مبادرات وإجراءات عملية لتحفيزه ماديا ومعنويا. وهو ما يستوجب معالجة المشاكل المرتبطة بتجويد خدمات الصحة والنقل والسكن والتغذية السليمة في الأحياء الجامعية أو غيرها، ومراجعة قيمة المنح الجامعية وتمكينه من الحوافز الضرورية لتلبية الحاجيات الطبيعية والأساسية.
إن التحفيز وفق هذه المقاربة، سيشكل دافعا أساسيا ومحفزا لفئات عريضة من الطلبة من أجل بناء رؤية جديدة وتركيز تفكيرهم ومجهوداتهم على عمليات التكوين والتعلم والبحث. كما أن استحضار تلكم الانشغالات في رؤية إصلاح منظومة التعليم العالي، سيساهم في إعادة توجيه ميولاتهم ومراجعة أنماط تفكيرهم، في اتجاه التخفيف من حالة التوتر الناجمة عن هموم البحث عن الاستقرار وإقامة نوع من التوازن والتماسك في العلاقات مع الفاعلين في العملية التربوية.
يتبع