أوباما والأزمة السورية

عربي و دولي
16 سبتمبر 2013wait... مشاهدة
أوباما والأزمة السورية
رابط مختصر

القاهرة – مكتب العرب الاقتصادية  – هيام محي الدين –

بدأت الولايات المتحدة ممارسة دورها كقوة عظمى عالمية عند نهاية الحرب العالمية الثانية وخروجها منتصرة انتصارا حاسماً على دول المحور ومحتكرة وحيدة للسلاح النووي الذي أنهت به الحرب مع اليابان قبل أن يصل الروس إلى إنتاجه ، وكانت الرؤية الأمريكية لممارسة هذا الدور تتسم ببراجماتية خالصة وأنانية مطلقة فحددت محورين أساسيين:
المحور الأول: حصار الدول الشيوعية الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي بالقواعد العسكرية حول العالم بمشاركة حلفائها التقليدين في أوربا خاصة إنجلترا وفرنسا وصناعة الأزمات لإضعاف الكتلة الشرقية وروسيا.
والمحور الثاني: إزاحة حلفائها من مستعمراتهم السابقة في آسيا وأفريقيا والحلول محلهم بشكل استعماري جديد ليس فيه احتلال عسكري.
وكان الشرق الأوسط والمنطقة العربية في القلب منه هو درةفأأفريق التاج التي اهتمت أمريكا بتحقيق المحورين فيها بإقامة القواعد العسكرية لاستكمال حصار الكتلة الشرقية ، وإزاحة حلفائها إنجلترا وفرنسا المحتلين لهذه الدول والحلول مكانهم باستعمارها الجديد ، وكلنا يذكر تدخلهم في مفاوضات الجلاء بين مصر وبريطانيا ورعايتهم لإقامة حلف بغداد لاستكمال حصار روسيا في خمسينيات القرن الماضي ، وكان رفض مصر لهذه السياسة الأمريكية الصخرة التي تحطم عليها المشروع الأمريكي ذو المحورين ، وكلنا يعرف الأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة والصراع بين المشروع الأمريكي والمشروع القومي العربي واستخدام إسرائيل لضرب المشروع القومي وإعادة المنطقة للتبعية الأمريكية ، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الشيوعية أصبحت الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة بلا منافس وطورت مشروعها للسيطرة على هذه المنطقة الهامة من العالم والتي تشكل بموقعها الجغرافي الحاكم وثرواتها النفطية الأسطورية كنزا لا يمكن الاستغناء عنه لأي قوة عظمى في العالم ، ومعظمنا قد عاش مرحلة العقود الأربعة الأخيرة وشاهد المحاولات الأمريكية لتحقيق أهدافها في المنطقة ، وقامت مراكز البحوث الأمريكية خلال هذه العقود بتنفيذ مئات الدراسات عن المنطقة وشعوبها وأنظمتها وتقاليدها وأعرافها وشارك في وضع هذه الدراسات معاهد وجامعات ومتخصصون في علوم السياسة والدين والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والحضارة بعضهم من أبناء دول المنطقة الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة ، وأسهمت هذه الدراسات في وضع أسس السياسة الأمريكية في المنطقة على أساس من توصيات هذه الدراسات ، والتي لا يمكن أن ننكر أنها حققت نجاحاً ملحوظاً للسياسة الأمريكية في المنطقة في بعض الأحيان.
ولكن كما يقال لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة فقد فشلت كل الدراسات التي قام بها الأمريكيون مع شعبين من شعوب المنطقة هما الشعب المصري والشعب العربي السوري فالوطنية المصرية التي صنعتها دولة مركزية في مكان عبقري منذ سبعة آلاف عام استعصى فهمها على الباحثين الأمريكيين لأن علاقتهم بالتاريخ العريق غير وثيقة وكذلك العروبة السورية كفكرة قومية ، تغلغلت في نفوس السوريين منذ العصر الأموي ، تعتبر فكرة غريبة على العقلية الأمريكية التي تكون شعبها من تذويب قوميات متعددة ، لذلك فشلت كل المخططات الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم في تحقيق نجاح واضح أو دائم مع هذين الشعبين ، وكلما خطت سياستهم خطوات نحو تحقيق نجاح ما يفاجئهم الشعبان أو أحدهما بتدمير مخططاتهم وإفشالها مثلما حدث مع حلف بغداد في الخمسينيات وإسقاط الشعب المصري لحلفائهم الإخوان في يونيو الماضي وقد اندفعوا بعد هذا الفشل إلى محاولة تحقيق نجاح لحلفائهم الجدد في سوريا دون أن يدركوا أن السوريين كالمصريين شعب لم تستطع العقلية الأمريكية البراجماتية فهمه أو اكتشاف طريقة للتعامل معه ، فدخل الأمريكيون وإدارتهم الحالية منطقة ملغومة بغباء لا يشابهه إلا غباء حلفائهم المعاصرين من تيارات التأسلم السياسي ، ووجد الرئيس الأمريكي ومستشاروه أنفسهم في حفرة حفروها بأنفسهم فسقطوا فيها ، بل أن نظام بشار الأسد حقق شعبية بسبب رعونتهم وخسر حلفاؤهم من المعارضة السورية الكثير من التعاطف الشعبي داخل سوريا وخارجها بين شعوب الأمة العربية ، ورغم كل الاعتراضات على طغيان نظام الأسد ووحشيته إلا أن التلويج الأمريكي بالتدخل العسكري في سوريا صنع حالة من الرفض الشعبي العربي العارم – بصرف النظر عن مواقف حكوماته – لأي عدوان أمريكي على سوريا ووضع المعارضة السورية في موقف شديد الحرج وعرضها للاتهام بالخيانة والاستعانة بالأجنبي ضد الوطن ومؤسساته وقدراته العسكرية والاقتصادية التي هي ملك للشعب العربي السوري وليست ملكا لنظام بشار كما أن مواقف روسيا وإيران الداعمة لنظام الأسد جعلت تنفيذ التهديد الأمريكي بضرب سوريا مغامرة غير محمودة العواقب على إسرائيل وعلى المنطقة بأسرها ، وأصبح الرئيس أوباما في وضع لا يحسد عليه يمسك بزهرة أقحوان يقطع أوراقها ويقول: أضرب / لا أضرب أو يقول حادي بادي سيدي محمد البغدادي شاله وحطه كله على دي ، وهي نكات تعبر عن واقع حيرة الرئيس أكثر منها في التعبير عن فكاهة ساخرة وقد حفر أوباما بنفسه الحفرة التي سقط فيها وهو يقصد أن يوقع فيها بشار ونالت السياسة الأمريكية الفشل الذي حدث لها في مصر ، ولعله يغير من سياسته ويتفهم الطبيعة المختلفة لشعب ينتمي لقومية راسخة في جذوره ويعيد رسم علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة على أساس من رؤية موضوعية.

                                          

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.